علي التركي يكتب: قصة قصيرة / أطفال «العرب»... في مقابر «الربيع»!

| علي التركي |
خمسة وسادسهم «دمعهم»... ألقوا رداء طفولتهم على قارعة الطريق ولملموا سهام صبرهم من فضاء النوائب، ووقفوا حداداً في مقابر الربيع يودعون الأهل والأصحاب والأحبة وأسقف الدار، التي تهوي بعد كل ليلة يجهش فيها السحاب بالمطر.

وفي «الربيع» حين تموت الأشجار من جذوعها تصبح الأوراق الخضراء شيئاً غير ذي فائدة إذ تدق ساعة الأقدار أجراسها والنهايات توصد أبوابها، كذلك أرواحهم سارت بها عربات الموت إلى آخر محطاتها فأوراقها تلاشت وتوارت وما تبقى منها رماد عصفت به الريح والأنواء... ومن يكترث بمصير الرماد بعد انطفاء النار؟

في قريتنا، كانوا خمسة أطفال وفدوا من مختلف الحدود، نسب بينهم الدم المسفوح على الجدار أوفى نسب، وساقهم الفقر المشترك إلى ملاجئ الغرباء. يجمعهم حزن واحد وجوع واحد ويتم واحد... تلك زهرة على اطلال دميتها تسفح الدموع، وذاك غيدق كشفت الشمس عن شعره البراق كأسلاك الذهب، وطفل ثالث هنا قد القميص عن ظهره تحت عين «العزيز»، ورابع أسلم أمه للتراب ولم يجف حزنه في قلبه بعد، وخامس بلا قلب لم يذرف دمعة واحدة منذ حضر «الربيع» ولم ينطق لسانه بكلمة. كان صمته مثيراً للانتباه مثلما كان تجهمه مدعاة للخوف والقلق، لم يقل شيئاً لكن بركان الغضب تفجر في عروقه في تلك المقبرة، وحقد دفين بدأ يغلي بأعماقه ويستفحل، تسللت قسوة الأيام ومرارتها إلى روحه الموحشة وضاعفت أشجانه المتراكمة صور الموت الرهيبة الجاثمة على سكون المقابر. هو أكبرهم سناً وأكثرهم شوقاً إلى عبور الطريق.

وبين أغصان الشجر المتفرع على جانب الطريق يد مضرجة بالدم تتبع الأطفال ثم سلكت طريقها نحو المفجوع دون أن يشعر، ثمة من همس بإذنه من خلف الأشجار بصوت خافت ترشح جدرانه بالحزن: ما أوحش الدار وما أفظع النهاية؟ إلى تلك الحفرة ينتهي بنا المطاف؟

الغربة لا تطاق وإن كانت محددة بأجل، فكيف إن استحال الاغتراب انقطاعا أبديا ورحيلا لا عودة فيه... ما أوحش الوداع حين يكون اللقاء فيه ضرب من المستحيل، صدق من سماها دنيا بل هي أحط من ذلك قدراً وأدنى... وما العمر سوى رشفة من كأس القدر فإن سلمت الروح الآمنة من خافيات الأمور تلقفتها براثن الإجرام وطافت بها أيدي الموغلين بالدم. نعيش في مجتمعات تفتقر إلى العدالة ونقبع تحت عذاب طويل ليس لنهاياته قرار، أما للألم الطويل من خاتمة؟ ولهذا العذاب المقيم من رحيل؟

بعد ذلك توارت اليد المضرجة بالدم خلف الأشجار، وبدأ طفل المقابر يستذكر حياته الماضية منذ بدايتها وحتى اللحظة التي صوب نظره إلى أحد القبور الفارغة... كان كل مقدس لديه سقط واستحال ركاما ليس له من الإجلال شيء في نفسه، وأفرغ جام غضبه على المجتمع، وسخط على خنوعه المزري وصمته المهين، وسخر كل السخرية من تقلب البعض في مخدع الهوان. أيقن أن البقاء في هذه الدنيا هو الهوان بعينه وخالجه شعور بأن شياطين العالم كلها تختبئ بين أشجار المقبرة ترشقه بنظرات الوداع وتشيعه إلى مثواه الأخير بيد أن الخوف لم يعرف طريقاً إليه حتى وهو في تلك الحالة. تذكر تلك الأرواح التي طحنتها الأقدار منذ دقائق ولم تترك منها أثراً، وتذكرعربات الموت وأقبية الظلام في القرية وطاف بخياله ذلك البيت الصغير الذي كان يظلله مع أسرته منذ أشهر قلائل بسكينة ورغد والآن لم يعد يرى من آثاره الدارسة سوى جدار متآكل خطت عليه بعض الشعارات. أطلق أنة خافتة مفجعة جرى وقعها في قلبه المحزون كما يجري ناقع السم في أحشاء السليم، ثم خرج من صمته الطويل وسفح دموعاً حارة وودع الصغار الصامتين أمام القبر وأشباح المقبرة التي كانت تشيعه منذ دقائق بأقسى النظرات. وعلى طريق السائرين إلى غير هدى سار النهار بأكمله ولم يخلف وراءه إلا ماضيه الموحش.

احتضن الموت وحيداً... وانفجر.

في اليوم التالي، كان أطفال القرية يضعون إكليل الوداع على ما بقي من رفات البائس وأعينهم تفيض، لكن اليد المضرجة بالدم خرجت من بين أشجار المقبرة حاملة الطفل إلى شاطئ بعيد في أرض بعيدة، وحين فرغت من مراسم الدفن خطت فوق قبره الصغير جملة مكتوبة بدمه تناقل اثرها بين القرى المجاورة حتى اليوم:«الآن سنحصل على بيت جديد في القرية الجديدة... المجد للشهداء ولأطفال الربيع».


* حقول مطلوبة

    لا توجد تعليقات علي هذا الموضوع